الشيخ السبحاني

15

مفاهيم القرآن

والتوحيد الافعالي هو أن نعتقد بأنّ هذه « الآثار » مخلوقة هي أيضاً للَّه تعالى كما أنّ عللها مخلوقة له سبحانه . بمعنى أنّ اللَّه الذي خلق العلل المذكورة هو الذي منحها تلك « الآثار » . فخلق الشمس وأعطاها خاصية الإشراق ، وخلق النار وأعطاها خاصية الإحراق ، وخلق السيف وأعطاه خاصية القطع ، إلى آخر ما هنالك من العلل والمعلولات ، والأسباب والمسببات والمؤثرات وآثارها . وبعبارة أُخرى : انّ « التوحيد الافعالي » هو أن نعترف بأنّ العالم بما فيه من العلل والمعاليل ، والأسباب والمسببات ، ما هو إلّا فعل اللَّه سبحانه ، وأنّ الآثار صادرة عن مؤثراتها بإرادته ومشيئته . فكما أنّ الموجودات غير مستقلة في ذواتها بل هي قائمة به سبحانه ، فكذا هي غير مستقلة في تأثيرها وعلّيَّتها وسببيَّتها . فيستنتج من ذلك أنّ اللَّه سبحانه كما لا شريك له في ذاته ، كذلك لا شريك له في فاعليته وسببيته ، وأنّ كل سبب وفاعل - بذاتهما وحقيقتهما وبتأثيرهما وفاعليتهما - قائم به سبحانه وأنّه لا حول ولا قوة إلّا به . ويندرج في ذلك « الإنسان » ، فبما أنّه موجود من موجودات العالم وواحد من أجزائه فإنّ له فاعلية ، وعلية بالنسبة لأفعاله ، كما أنّ له حرية تامّة في مصيره وعاقبة حياته ، ولكنَّه ليس موجوداً مفوّضاً « 1 » إليه ذلك ، بل هو بحول اللَّه وقوته يقوم ويقعد ويتسبب ويؤثر .

--> ( 1 ) . المراد من التفويض هو أنّ اللَّه أعطاه الفاعلية ثم هو يفعل ما يريد دون مشيئة اللَّه وعلى نحو الاستقلال ، وسيأتي شرح‌التفويض في الفصول القادمة مسهباً .